محمد متولي الشعراوي

1520

تفسير الشعراوى

فنحن نقول : « نبتهل إلى اللّه » ، أي ندعو اللّه . إذن فالرسول صلّى اللّه عليه وسلّم جاءهم بالأمر المنزل من عند اللّه الحق بدعوة الأبناء والنساء والأنفس ، لكنهم قالوا للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « أنظرنا إلى غد ونأتى إليك » . ثم أرسلوا في الصباح واحدا منهم ليرى ماذا فعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ؟ وهل هو مستعد لهذا الأمر حقيقة ، أو هو مجرد قول منه أراد به التهديد فقط ؟ ووجد رسولهم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد جاء ومعه الحسين والحسن وفاطمة وعلي بن أبي طالب ، لذلك قالوا : « لا لن نستطيع المباهلة » ، واللّه ما باهل قوم نبيا إلا أخذوا ، وحاولوا ترضية رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقالوا : « لنظل على ديننا ويظل محمد وأتباعه على دينه » لقد ظنوا أن الدعوة إلى المباهلة هي مجرد تهديد لن ينفذه الرسول ، لكن صاحب اليقين الصادق جاء ومعه أهله استعدادا للمباهلة ، ولن يقبل على مثل هذا الموقف إلا من عنده عميق الإيمان واليقين ، أما الذي لا يملك يقينا فلن يقبل على المباهلة بل لا بد أن يرجع عنها . وقد رجعوا عن المباهلة ، وقالوا للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : لنتفق معا ألا تغزونا أو تخيفنا على أن نرسل لك الجزية في رجب وفي صفر وهي من الخيل وغير ذلك ! لقد فروا من المباهلة لمعرفتهم أنهم في شك من أمرهم ، أما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فكان على يقين بما أنزله اللّه عليه وكان العرب إذا خرجوا إلى الحرب يأخذون نساءهم معهم ، وذلك حتى يخجل الرجل من الفرار ، وحتى لا يترك أولاده ونساءه لكيلا يذلوا من بعد موته ، فإن قتل قتلوا معه هم أيضا . إذن إن أردنا نحن الآن أن ننهى الجدل في مسألة عيسى عليه السّلام فلنسمع قول الحق سبحانه وتعالى : « إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ، الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ » إنه الحق القادم من الربوبية فلا تكن أيها السامع من الشاكين في هذه المسألة . ومن أراد أن يأتي بحجة مضادة للحجة القادمة من اللّه فلنا أن نحسمها بأن نقول : « تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ » . ولن يجرؤ واحد منهم على ذلك . لماذا ؟ لأن السابقين عليهم قد فروا من المباهلة